الجواد الكاظمي

41

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

والجارّ متعلق ب‍ « لا يَقُومُونَ » أي لا يقومون من المس الذي بهم من أكلهم الربا أو ب‍ « يقوم » أو ب‍ « يتخبط » ، فيكون نهوضهم وسقوطهم كالمصروعين ، لا لاختلال عقلهم ولكن لأن اللَّه أربى في بطونهم ما أكلوه من الربا فأثقلهم ، تلك سيماهم يعرفون بها يوم القيامة عند أهل الموقف ، كما أن على كل عاص من معصيته علامة تليق به يعرف بها صاحبها . وقيل : الذين يخرجون من الأجداث يوفضون ، الا آكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض . « ذلِكَ » العقاب النازل بهم « بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا » أي بسبب انهم نظموا البيع والربا في سلك واحد نظرا إلى إفضائهما إلى الربح فاستحلوه استحلالا . وانما لم يقل « انما الربا مثل البيع » لأن الكلام في الربا لا في البيع ، ومن حق القائس أن يشبّه بمحل الوفاق [ لأنه لم يكن المقصود انهم تمسكوا بالقياس ، بل كان غرضهم أن الربا والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة ، فكيف يجوز تخصيص أحدهما بالحل والآخر بالحرمة ، وعلى هذا فأيهما قدم أو أخر جاز . ووجه آخر ، وهو أن قولهم ذلك ] نظرا إلى مبالغتهم في ذلك ، كأنهم جعلوا الربا أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع . « وأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا » إنكار لتسويتهم بينهما وهدم لقياسهم ، من حيث إن الحل والتحريم أحكام اللَّه ، فالحلال ما أحله اللَّه والحرام ما حرمه ، وليس وجود التماثل بين الشيئين كافيا في تساوى الحكم . وفيه دلالة على أن القياس ليس بحجة ، فإنه إذا عرف التساوي ولم يثبت الحكم بل كان مختلفا فيهما علم أن التساوي بمجرده لا يثبت حكما ، بل يجوز الاختلاف فيه لحكمة يعلمها اللَّه تعالى ولا يطلعون عليها ، وحينئذ فكل موضع ثبت فيه التساوي كذلك لم يمكن ثبوت الحكم لجواز الاختلاف . فقول صاحب الكشاف ( 1 ) « ان فيه دلالة على أن القياس يهدمه النص » مع زعمه حجيته بعد ذلك باطل . « فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ » فمن بلغه وعظ من اللَّه وزجر بالنهي عن الربا

--> ( 1 ) انظر الكشاف ج 1 ص 321 ط دار الكتاب العربي .